النظر إلى الصورة الشاملة يؤدي لقرارات أفضل

تشير دراسة حديثة كيف أن إبعاد نفسك عن القرار قد يساعدك في انتقاء الخيار الذي يعود بأكبر منفعة لك وللآخرين المعنيين به.
يقول بول ستلمان رئيس الباحثين في هذه الدراسة أن إحدى طرق زيادة المنفعة إلى الحد الأعلى للجميع هو إدراك أن أفضل قرار هو الذي يعود عليك بأكبر كم من الفائدة. إن أكثر القرارات فعالية هو القرار الذي سيزيد من حجم الكعكة الكاملة، وهذا صحيح سواء حصلت أنت على القدر الأكبر أم ذهب ذلك إلى شخص آخر. ففي بعض الأحيان قد يكون منطقياً أن يبدو الأمر أنانياً بعض الشيء إذا كانت نتيجته زيادة الفوائد الإجمالية.
قام ستلمان بهذه الدراسة خلال عمله كباحث ما بعد درجة الدكتوراه في علم النفس لدى جامعة ولاية أوهايو، وقد ترك هذا المنصب لاستلام منصب مماثل في جامعة يال.
ولطرح مثال بسيط، قد يبدو الأمر أكثر فعالية بالنسبة لمهندس برامج الحاسوب أن يقضي وقتاً لتطوير برنامج إنتاجي جديد من إصلاح جهاز كمبيوتر صديقه. قد يبدو هذا المهندس أنانياً بسبب كسبه مبلغاً من المال وترك صديقه مع جهاز معطل، إلا أن خياره يخلق قيمة عامة لنفسه ولمستخدمي برنامجه في المستقبل.
وجد ستلمان وزملاؤه في الدراسة أن الناس يميلون لاتخاذ أكثر القرارات فعالية ـ وهو القرار الذي تكون نتيجته أكبر قيمة إجمالية للمجموع ـ حين ينظرون إلى الصورة الشاملة أو يرون الغابة بدلاً من الأشجار.
إن نظرية الصورة الشاملة هي ما يدعوه علماء النفس "منظور عالي المستوى" وتتضمن خلق مسافة نفسية بعيداً عن القرار. قد تكون هذه المسافة هي الزمن ـ مثلاً عندما تخطط لمناسبة بعد سنة من الوقت الحاضر، أو ربما تكون البعد لأنها تشمل أشخاصاً بعيدين، أو لأنك تدرس وضعاً افتراضياً، أكثر منه واقعياً، حسب رأي ستلمان، حيث يبدو أن المنظور عالي المستوى سيسمح لك بالرجوع خطوة إلى الوراء والنظر إلى نتائج قرارك وأن تبحث بشكل أوضح عن أفضل طريقة لتوزيع الموارد.
شملت إحدى الدراسات (106) طلاب، قاموا بانجاز مهمة تدفعهم إلى التفكير بطريقة الصورة الشاملة أو بطريقة أكثر فورية وفي الزمن الحاضر. وتم توجيههم إلى هدف تحسين الصحة، وطلب منهم وضع لائحة بالأهداف التي يمكن أن تساعدهم لتحقيقه مثل "حياة أطول". وهذا ما وضعهم في حالة تفكير الصورة الشاملة.
كما طلب من آخرين وضع لائحة بكيفية تحقيق الهدف لتحسين الصحة مثل "التمارين الرياضية" وهذا ما وضعهم في حالة تفكير باليوم الحاضر.
بعد ذلك، لعب كل المشاركين لعبة اقتصادية، حيث كان عليهم اتخاذ تسعة قرارات حول طريقة اقتسام المال بينهم وبين أربعة أشخاص آخرين، وتم إعلامهم أن الآخرين لن يعرفوا من اتخذ القرار، ولا يمكن لأي من المشاركين اقتسام المبلغ.
بالنسبة لنصف المشاركين، كانت زيادة الفائدة إلى الحد الأعلى تعني دائماً تفضيل الآخرين. مثلاً، لكل دولار واحد منحوه لأنفسهم في اللعبة، قد يخسر كل من الأشخاص الأربعة الآخرين 9 دولار. وانقلب الوضع بالنسبة للنصف الآخر من المشاركين، حيث كانت زيادة الفائدة إلى الحد الأعلى تعني دائماً تفضيل أنفسهم.
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين تم تشجيعهم للتفكير بالصورة الشاملة (منظور عالي المستوى) كانت قراراتهم ستزيد القيمة الإجمالية إلى الحد الأعلى أكثر من الآخرين سواء كانوا هم المستفيدين أم غيرهم.
وفي دراسة أخرى مشابهة، استخدم الباحثون طريقة مختلفة لخلق مسافة نفسية لدى بعض المشاركين بالدراسة. حيث تم إعلام نصف المشاركين أن المكافأة ستوزع بعد سنة من الوقت الحاضر (مما يشجع على التفكير بالصورة الشاملة)، وتم إعلام النصف الآخر من المشاركين أن المكافآت ستوزع في يوم الغد (تفكير أقل بالصورة الشاملة).
وكما في الدراسة الأولى، فإن المشاركين الذين شجعوا على التفكير بطريقة الصورة الشاملة، كانوا أكثر ميلاً لاختيار رفع القيمة الإجمالية إلى حدها الأعلى من أجل المجموعة، سواء أفادهم ذلك أم لا.
وقد أكد اختباران آخران هذه النتائج مع استخدام خطط مختلفة.
وبشكل عام، يقول ستلمان، فإن النتائج تضع الطريقة لتقليص الخسارة وعدم الفعالية عند اتخاذ القرار، وزيادة الربح الصافي لكل شخص، فعندما تبعد نفسك عن قرارك، فإنك بذلك تميل لرؤية الأشياء أكثر تماشياً مع الأهداف على المدى الطويل، ويمكنك أن ترى ما وراء الاعتبارات الفورية للمكان والزمان الحاضرين.